صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

230

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

بمعنى الكليات الطبيعية ولا المراد منه العلم بوجه من وجوهها وهو ظاهر ولا العلم بمفهوم كونها علة ولا العلم بإضافة العلية لأنه على هذين الوجهين يكون العلمان أي العلم بالعلة والعلم بالمعلول حاصلين معا لا تقدم لأحدهما على الاخر وعمده الغرض من هذه القاعدة اثبات علم الباري تعالى بما سواه من جهة علمه بذاته فاذن المراد من العلم المذكور انما هو العلم بالخصوصية التي يكون العلة بها علة وليس هي الا نحوا خاصا من الوجود وقد بين فيما سلف من الكلام ان الجاعلية والمجعولية انما هي بين الوجودات لا المهيات وبين أيضا ان العلم بأنحاء الوجودات لا يمكن ان يحصل الا بحضورها وشهودها بأعيانها لا بصورها وأشباهها وذلك غير ممكن الا من جهة الاتحاد أو من جهة العلية ( 1 ) والإحاطة الوجودية . فإذا تقرر هذه المقدمات فنقول لما كان ذاته تعالى من جهة وجوده الذي هو عين ذاته علة لما بعده على الترتيب وان مجعولاته الصادرة عنه انما هي أنحاء الوجودات العينية فالعلم الواجبي بذاته الذي هو نفس ذاته يقتضى العلم الواجبي بتلك الوجودات الذي لا بد ان يكون عين تلك الوجودات ( 2 ) فمجعولاته بعينها معلوماته

--> ( 1 ) أي العلم الحضوري منحصر في موردين أحدهما في الاتحاد كما في علم النفس بذاتها وثانيهما في العلية كما في علم النفس بمنشآتها الخيالية مثلا ومعلوم ان ما نحن فيه من قبيل الثاني س قده ( 2 ) ولا يمكن ان يقال إن المجعول بالذات وإن كان هو الوجود لكن العلم بجاعله لا يقتضى الا العلم به مطلقا ولو بنحو الصوري إذ حينئذ يصدق ان العلم بالعلة استلزم العلم بالمعلول والقاعدة لا تدل على أزيد من هذا ولا تقتضي الكيفية لأنا نقول الوجود ليس له نحو واحد من التحقق ولا ماهية له فلا صوره له انما الصورة للماهية الموجودة فالعلم بنحو من الوجود لا يمكن الا بالحضوري فغرضه قده ان هذه القاعدة التي تمسك الكل بها في اثبات أصل علمه تعالى بما سواه كما تدل عليه تدل أيضا على كيفيته من كون علمه بما سواه حضوريا وعدم كونه حصوليا كما زعمه القائلون بالصور المرتسمة . ان قلت قد مر قبيل ذلك أن صاحب الاشراق والمحقق الطوسي وغيرهما ممن جعلوا الوجودات علمه تعالى كأنهم ذهلوا عن القاعدة المشهورة ان وجود المدرك بالذات في نفسه ومدركيته ووجوده للمدرك شئ واحد وان الوجود المادي مثار الغيبة ومدار العلم على الحضور والظهور فما باله قده قد ذهل عن ذلك وكر على ما فر . قلت كان مقصوده قده هناك اعتذار من قبل المشائين القائلين بالصور بان قولهم بالصور نشأ من قاعدتهم المشهورة وان القائلين بالعلم الحضوري ذهلوا عن بناء قولهم على قاعدتهم سواء لم يسلم القاعدة عند القائلين بالحضوري أو سلمت ولكن يقولون إن وجود الأمور الخارجية للمادة وشبهها لا ينافي وجودها للمدرك هيهنا لكونه تعالى محيطا بالمواد وغيرها وان ذوات الأوضاع والجهات ليست مثارات للغيبة بالنسبة إليه تعالى بل كلها كالنقطة في عين كونها غير منفكة عن ذواتها وذاتياتها ولوازمها ومقصوده قده هيهنا القدح في القول بالصور بنفس القاعدة الأخرى المثبتة لأصل العلم بالغير وانها تنفى هذا القول وتثبت مذهب الاشراق فالمقصود بالذات هنا القدح والمنع لا الاستدلال س قده